علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

77

ثمرات الأوراق

فقالت لها العوّادة : فيصنعون ماذا ؟ فقالت : يصنعون هكذا ؛ وضربت بيدها على السّتارة ، وبدت كأنها فلقة قمر « 1 » ، ثم زجّت بنفسها في الماء . قال : وكان على رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وفي يده مذبّة ، فألقى المذبّة من يده لمّا رأى ما صنعت الجارية ، ثم أتى إلى الموضع ونظر إليها ، وأنشد : أنت الّتي عرّفتني * بعد القضا لو تعلمينا وزجّ بنفسه في أثرها ، فأدار الملّاح الحرّاقة ، فإذا بهما متعانقين ، ثم غاصا . فهال ذلك محمدا واستعظمه ، وقال : يا عمرو ، إن لم تحدّثني حديثا يسلّيني عنهما ألحقتك بهما . قال الجاحظ : فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك ، وقد قعد يوما للمظالم ، وعرضت عليه القصص ، فمرت قصّة فيها مكتوب : « إن رأى أمير المؤمنين أعزّه اللّه أن يخرج إليّ جاريته فلانة حتى تغنّيني ثلاثة أصوات فعل إن شاء اللّه تعالى » . فاغتاظ سليمان لذلك ، وأمر من يأتيه برأسه ، ثم أردفه رسولا آخر أن يدخل به إليه ، فلمّا دخل قال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : الثّقة بحلمك ، والاتّكال على عفوك . فأمره بالقعود حتّى لم يبق أحد من بني أميّة إلّا خرج ؛ ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عود ، فقال لها : غني ما يقول لك ، فقال لها الفتى : غنّي : تألّق البرق نجديّا فقلت له * يا أيّها البرق إنّي عنك مشغول فغنّته ، فطلب رطلا من الشرب « 2 » ، فأتي به فشربه ، ثم قال لها : غنّي : حبّذا رجعها إلينا يداها * في يدي درعها تحلّ الإزارا فغنّته ، ثم طلب رطلا ثانيا ، فأتي به فشربه ، ثم قال : غنّي : أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي « 3 » فغنّته ، فقال لسليمان : أتأمر لي بشرب رطل ؟ فما استتمّ شربه حتى صعد على الفور على قبّة لسليمان ، فرمى بنفسه على دماغه فمات . فقال سليمان : إنا للّه وإنّا إليه راجعون ! أتراه الأحمق ظنّ أني أخرج إليه جاريتي وأردّها إلى ملكي ! يا غلمان ، خذوا بيد هذه الجارية ، وانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل ، وإلا فبيعوها ، وتصدّقوا بثمنها عليه . فلمّا انطلقوا بها نظرت إلى حفيرة في

--> ( 1 ) كذا في أ ، ب ، وفي ط : « بدر » . ( 2 ) ط : « فقال لي سليمان : أتأمر لي برطل » . ( 3 ) لامرئ القيس ، ديوانه : 12 .